عين القضاة
مقدمة 18
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
الفصل الثامن ( تعريف الواجب والمحال والممكن ) كل ممكن فيجب وجوده بالقديم ؛ هكذا جرت سنة اللّه في الملك والملكوت « وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا » * . وكل ما لم يوجد بعد فهو يعدّ محال الوجود أعنى بغيره لا بذاته . والمحال لا يكون مقدورا ؛ وما لم يصر الشئ مقدورا فالقدرة الأزلية لا توجده . وبيان ذلك أن السبب في وجود الموجودات هو اللّه - جل جلاله - وهو موجود ولا مانع من وجود المسبب مع وجود السبب إلّا فقد شرط لأنّ وجود المشروط مع عدم الشرط محال . ومهما وجدت شروط الممكن أوجبت القدرة الأزلية وجوده بالضرورة . وما دام يعوزه شرط فهو بعد ليس بممكن الوجود . فإذا تحقق ذلك فاعلم أن كل موجود فهو واجب الوجود إما بذاته وإما بغيره ، فقد اتصلت إذا حدود الواجب والمحال ولا حائل يحول بينهما ؛ وإنما الإمكان حد فاصل بينهما ولا حقيقة له أصلا كالنقطة الوهمية التي تفرض على خط مستقيم ، وكالحد الحاجز بين الماضي والمستقبل من الزمان ؛ وكان آخر حدود الماضي متصلا بأول حدود المستقبل ، وأما الحد الذي يفصل بينهما فلا حقيقة له الا في الوهم . فإنك إذا فرضت نقطة وهمية على خط الزمان المنقسم إلى الماضي والمستقبل لم تجد شيئا فاصلا عن الماضي والمستقبل بقي عن خط الزمان حتى يكون هو حقيقة الحد الفاصل ، وهو النقطة المفروضة في الوهم .